علي بن محمد البغدادي الماوردي
257
أدب الدنيا والدين
لا تسأل المرء عن خلائقه * في وجهه شاهد من الخبر فسمة الخير الدعة والحياء وسمة الشر القحة « 1 » والبذاء « 2 » وكفى بالحياء خيرا أن يكون على الخير دليلا وكفى بالقحة وبالبذاء شرا أن يكونا إلى الشر سبيلا وقد روى حسان بن عطية عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحياء والعي « 3 » شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق » ويشبه أن يكون العيّ في معنى الصمت والبيان في معنى التشدق كما جاء في الحديث الآخر « إن أبغضكم إليّ الثرثارون « 4 » المتفيهقون « 5 » المتشدّقون « 6 » » . وروى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار » . وقال بعض الحكماء : من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه . وقال بعض البلغاء : حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه . وقال بعض البلغاء العلماء : يا عجبا كيف لا تستحي من كثرة ما لا تستحي وتتقي من طول ما لا تتقي . وقال صالح بن عبد القدوس : إذا قل ماء الوجه قل حياؤه * ولا خير في وجه إذا قل ماؤه حياءك فاحفظه عليك وإنما * يدل على فعل الكريم حياؤه وليس لمن سلب الحياء صادّ عن قبيح ولا زاجر عن محظور فهو يقدم على ما يشاء ويأتي ما يهوى وبذلك جاء الخبر . روى شعبة « 7 » عن منصور ابن ربعي « 8 » عن أبي منصور البدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن مما أدرك
--> ( 1 ) القحة : قلة الحياء . ( 2 ) البذاء : التكلم بالكلام الفاحش . ( 3 ) والعي : بكسر العين هو السكوت تحررا عن الوقوع في البهتان مع القدرة على النطق . ( 4 ) الثرثارون : المهذارون . ( 5 ) المتفيهقون : يقال : تفيهق في كلامه إذا تطع وتوسع ، كأنه ملأ به فمه . ( 6 ) المتشدقون : من تشدق الرجل إذا لوى شدقه للتفصح . ( 7 ) شعبة : بن الحجاج ، أبو بسطام الأزدي مولاهم الواسطي ، ثم انتقل إلى البصرة ، واجمعوا على إمامته ، وجلالة قدره ، قال سفيان شعبة أمير المؤمنين في الحديث ، وقال أحمد : كان أمة وحده في هذا الشأن مات بالبصرة توفى سنة 160 ، وكان ألثغ . ( 8 ) ربعي : بكسر فسكون ابن حراش الغطفاني ، وكان من العباد يقال : إنه تكلم بعد موتة . واللّه أعلم .